العلامة المجلسي

110

بحار الأنوار

فالأشقياء وإن انتقلوا إلى نشأة من جنس نشأة الملكوت ، خلقت بتبعيتها بالعرض ، إلا أنهم يحملون معهم من الدنيا من صور أعمالهم وأخلاقهم وعقائدهم مما لا يمكن انفكاكهم عنه مما يتأذون به ، ويعذبون بمجاورته ، من سموم وحميم وظل من يحموم ، ومن حياة وعقارب وذوات لدغ وسموم ، ومن ذهب وفضة كنزوها في دار الدنيا ولم ينفقوها في سبيل الله واشرب في قلوبهم محبتها ، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ومن آلهة يعبدونها من دون الله من حجر أو خشب أو حيوان أو غيرها ، مما يعتقدون فيه أنه ينفعهم وهو يضرهم ، إذ يقال إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم - وبالجملة المرء مع من أحب فمحبوب الأشقياء لما كان من متاع الدنيا الذي لا حقيقة له ولا أصل ، بل هو متاع الغرور ، فإذا كان يوم القيامة وبرزت وحواق الأمور كسد متاعهم ، وصار لا شيئا محضا فيتألمون بذلك ، ويتمنون الرجوع إلى الدنيا التي هي وطنهم المألوف ، لأنهم من أهلها ليسوا من أهل النشأة الباقية ، لأنهم رضوا بالحياة الدنيا ، واطمأنوا بها ، فإذا فارقوها عذبوا بفراقها في نار جهنم . أعمالهم التي أحاطت بهم ، وجميع المعاصي والشهوات ، يرجع إلى متاع هذه النشأة الدنياوية ومحبتها ، فمن كان من أهلها عذب بمفارقتها لا محالة ، ومن ليس من أهلها وإنما ابتلي بها ، وارتكبها مع إيمان منه بقبحها ، وخوف من الله سبحانه في إتيانها ، فلا جرم يندم على ارتكابها ، إذا رجع إلى عقله ، وأناب إلى ربه فيصير ندامته عليها ، والاعتراف بها ، وذل مقامه بين يدي ربه حياء منه تعالى سببا لتنوير قلبه ، وهذا المعنى تبديل سيئاتهم حسنات . فالأشقياء إنما عذبوا بما لم يفعلوا لحنينهم إلى ذلك ، وشهوتهم له ، وعقد ضمائرهم على فعله دائما إن تيسر لهم ، لأنهم كانوا من أهله ومن جنسه ، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه . والسعداء إنما لم يخلدوا في العذاب ، ولم يشتد عليهم العقاب ، بما فعلوا من القبائح ، لأنهم ارتكبوا على كره من عقولهم ، وخوف من ربهم ، لأنهم لم